مقال نشر يوم 02 يونيو 2026 ب جريدة بيان اليوم
بقلم : د. عبد الحق البكوري
إن قراءة هذا المؤتمر تقتضي العودة إلى السياق الاستراتيجي العام الذي يشهده المغرب. فالمملكة، من خلال رؤيتها “المغرب الرقمي 2030″، تطمح إلى تحول هيكلي يجعل من التكنولوجيا رافعة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية. ومن هنا، لم يكن اهتمام شعبة علم الاجتماع بهذا الموضوع ترفا فكريا، بل استجابة لرهانات وطنية كبرى تتعلق ببناء السيادة الرقمية. وقد انطلق المؤتمر من وعي بضرورة “أنسنة” هذه التحولات، فالتكنولوجيا باتت فاعلا اجتماعيا نشطا يعيد صياغة العقد الاجتماعي المغربي.
تميزت الجلسة الافتتاحية للمؤتمر بتعدد مرجعياتها، مما منح النقاش طابعا تشاركيا غنيا؟ حيث وضع الأستاذ لحسن أوشني، عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الإصبع على مكمن الداء حين أكد أن العالم المعاصر يعيش تحولات متسارعة في أشكال المعرفة وطرائق إنتاجها وتلقيها، وهو ما يفرض على الجامعة المغربية تحديا مزدوجا. مواكبة التقدم التقني والحفاظ على الرصانة العلمية.
انتقلت أشغال المؤتمر إلى مستوى أعمق من التحليل عبر طرح إشكاليات الهوية والذات. فقد عالج الباحثون السؤال الفلسفي المتعلق بكيفية بناء الإنسان لهويته في الفضاء الافتراضي. وتتشكل الهوية من خلال التفاعل المادي ، لكن باتت تنسج في عوالم رقمية تطمس الحدود بين الواقع والمتخيل. هذا “الوجود الرقمي” أفرز طلبا جديدا على “الاعتراف الاجتماعي”، حيث أصبحت المنصات الرقمية هي المسرح البديل الذي يسعى فيه الأفراد لنيل الشرعية الرمزية وتحقق الذات.
حظي محور الشباب والمشاركة السياسية بنصيب وافر من النقاش، حيث تم رصد ظاهرة الإدمان الرقمي من منظور “سيكو-سوسيولوجي” يتجاوز المقاربات الاختزالية. فالباحثون يرون أن المسؤولية لا تقع على الفرد وحده، بل هي مسؤولية بنيوية تستوجب تدخل الفاعلين كافة. كما أثيرت مسألة “هندسة الوعي السياسي” لدى الشباب، حيث يجد الجيل الجديد في المنصات فضاء للتعبئة والمشاركة الافتراضية التي قد تغني عن الانخراط الميداني التقليدي، وهو ما يضع قيم الديمقراطية الكلاسيكية أمام تحديات غير مسبوقة.
خصص اليوم الثاني من المؤتمر للجانب التطبيقي المنهجي، وهو ما منح اللقاء صبغة “مدرسة تكوينية” بامتياز. في ورشة “السوسيولوجيا الرقمية: مناهج ونظريات”، تم التأكيد على أن التحول الرقمي ليس سياقا خارجيا، بل عنصر بنيوي يعيد تشكيل موضوعات العلم ذاته. وتمت مناقشة تقنيات حديثة مثل “التقييم البيئي اللحظي” (EMA) وآفاقها في جمع المعطيات السوسيولوجية الحية.
من أبرز مخرجات هذا المؤتمر العلمي هو الإسهام الفعلي في رسم ملامح “سوسيولوجيا رقمية مغربية”. وقد تجلى ذلك في الاحتفاء بإصدار كتاب “السوسيولوجيا الرقمية: تحولات مفاهيمية ومسارات نظرية من المفهوم إلى المساءلة النقدية” للأستاذ عبد الحق البكوري. هذا المؤلف يمثل مرجعا أساسيا يجمع بين التنظير النقدي والانخراط الميداني، ويقدم اتجاهين متكاملين، وصفيا يرصد الظاهرة في تجلياتها، وفينومينولوجيا يساءل تجربة الذات المغمورة في الرقمي.
رابط المقال:
بقلم : د. عبد الحق البكوري